في رثاء بيوتنا وحكاياتنا
عفيف دياب
(1)
أهي سيرتُنا هذه المقتلة اليوميّة؟ أَكتب علينا، نحن أهل الجنوب، أن تُرافقَنا من أزلِنا إلى أبدِنا كوشمٍ “دق” في صحراء قاحلة؟!
يحقّ للجنوبيين أن يقولوا: “تعبنا”، ويحقّ لهم أن يُقارِعوا أولًا نظامًا لا يُنجب إلّا الأزمات و”المشاحر” مذ صار للبلد ما يُسمّى استقلالًا.
نظامٌ مقيت قبيح استدعى محتلًّا بعد محتلّ.
ابن الجنوب، العالقُ اليوم كما في الأمس، بين سندانِ محتلٍّ ومطرقة عشائرِ سلطة، لم يَعُد يعرفُ مَن يُقارع أولًا، ولا أيَّ جدارٍ يصلحُ أن يضرب عليه صمته الموجوع.
(2)
أمهاتنا الجنوبيّات: صار النزوح الموسميّ تجاعيد في وجوه العمر.
بين حقول التبغ وبساتين الزيتون وُلدن، ونحن الأبناء والأحفاد شربنا من عيونهنّ حبَّ البلاد، وارتشفنا تعب السنين.
(3)
دمّرت الحرب ما تبقّى من بيوتنا. أمّهاتنا زرعن الياسمين والجوري والزنبق والقرنفل. حريصات على الاعتناء بورودهنّ قبل فطور الصباح، و”تغنيجها”قبل مغيب الشمس.
ما تبقّى من بيوتنا، المُزَنَّرة بأحواض ورود أمّهاتنا، تحرسه بهدوء أشجارُ سنديانٍ وزيتونٍ من زرع أجدادنا. أبواب بيوتنا تعبت من الانتظار. مفاتيحها معلّقة بمناديل جدّاتنا، وسرًّا في أحضان أمّهاتنا.
ردّدت جدّتي مع شاعر العاشقين: “والله لزرعك بالدار، يا عود اللوز الأخضر”.
(4)
مفاتيح بيوتنا معلّقة بمناديل جدّاتنا وأمّهاتنا.. وورثنا هذا الفعل المقدّس.
يحفظ أبي سرّ فتح باب بيتنا. بابٌ لونّه بالأحمر، وفوقه نامت قنطرة مصقولة بزجاجٍ ملوّن تخالها من بعيد قوسَ قزحٍ تحت فيء شجرة الأكاسيا.
ها هو بيتنا يرحّب بنا. ترحيبٌ مثقلٌ بدمارٍ صار هويّة قرية.
قرية نائية تقف عند حافة الذاكرة وناصية الأحلام المبعثرة.
نعود إلى بيوتنا المدمّرة بلا تردّد أم هي عادة توارثها الأحفاد عن الأجداد؟ أم أنّ الأجداد أورثوا أحفادهم عبء المكان، وربما الهويّة؟
عن «حسن نيّة وطيبة قلب»، كانت هديّة أجدادنا ثقيلة كثقل البيت المدمّر. لا أحد يفقه «آياتهم» هذه.
تقول أمّي إنّها لم تعد تحتمل هذا الخراب. أمُحقّة في حسرتها؟
(5)
أثرٌ بعد عين…
بيتنا، بيوتنا، قرميدنا، مفاتيحنا، مدرستنا، كتبنا، أقلامنا، معابدنا، معاصرنا، حقولنا، زيتوننا، تيننا، سندياننا، أزقّتنا وذكرياتنا؟!
“من الأوّل” سيعيد أهل الجنوب بناء منازلهم وتضميد جراح المكان. هو حملٌ ثقيل، كثقل صقيع جبل الشيخ. صقيعٌ لا يلفح سوى أهل الأرض.
الحكاية ليست منزلًا، ولا أسقفًا تهدّمت، أو شجرة سنديان أُحرقت. ليست شجرة توتٍ صارت خيطًا، أو شجرة زنزلخت تعبت من كراسي القشّ وظلالها، أو من طاولات النرد و«سروة» شامخة. هي بيوتنا المدمّر، وحكايات «الرعيان». هي صدى التعب والعتابا، وحقول السماق، وأسوار معابدنا، وأجران معاصر النبيذ.
هي بيوتنا، وجدران منازل تهدّمت، وقرميد تناثر قانيًا.
هي «مصطبة» العابر إلى أرض الزيتون والبرتقال وحقول أجدادنا وطيف رائحة قهوة جدّتي الجنوبيّة، وهي تُمسِّد شعرَها الأبيض.


