ثلاثية رفيقي الحوراني

 

 

عفيف دياب ||

لدمشق ربيعها.. ولحوران كل الفصول

رفيقي الحوراني
31
مارس 2011
رفيقي..
استمعنا معاً إلى خطاب بشار. أنت في سهل درعا، وأنا هنا على شاطيء بيروت. لم يكن صوتك كعادته يبعث على الاطمئنان. فرحت كثيراً حين شاهدت على الشاشة الصغيرة رقم هاتفك. فرحة الاطمئنان على أنك بخير.. وفرحة ثانية لاني سأعرف منك بصدق أسرار “ثورة” بلاد حوران. لم أكن أعلم حين شاهدت رقم هاتفك بأنك ستفجر غضبك بي. أُخبرك الآن اني كنت فرحاً لحظة فجرّت غضبك بي. لم “ازعل” منك. إطمئن يا رفيقي. صرختك الغاضبة أفرحتني.. وأفرحني أكثر حين أخبرتني كيف ثار أهل حوران على الظلم والفساد والقمع. وكيف أنهم انتفضوا على اتهامهم بمؤامرة ليست إلا من نسج خيال حرس قديم ـ جديد لنظام عفن!
رفيقي “الحوراني” ليس الا مواطناً سورياً عربياً. لم يستطع “التفرج” على شباب انتفضوا رداً على اعتقال اطفال وفتية. مشى معهم في مسيرة غضب. صرخ بأعلى صوته :”اريد حريتي“.
رفيقي “الحوراني” موظف برتبة صغيرة. ليس ابنا لضابط كبير حتى ينعم بخدمة عسكرية أو Hمنية هادئة و”دسمة”، ولا هو ابن مدرسة الحزب القائد.

  يسرق رفيقي الحوراني من خيوط الشمس حرارة خبزه اليومي. يحلم بوطن حر وشعب سعيد. ويحلم اكثر بجولان حر. يحلم اكثر واكثر ببندقية تطلق رصاصاتها على محتل سرق ارضه قبل أن يولد. حلمه الكبير أن يزرع بستان تفاح على السفح الشرقي لجبل الشيخ، بعد أن حفظ عن ظهر قلب سفوحه الغربية يوم كان مقاوما هنا.
رفيقي “الحوراني” مُنع من المقاومة هناك. هناك يجب أن يبقى ممانعاً لا مقاوماً.
 اخبرتني يا رفيقي أن خطاب “الرئيس” لم يعطيك ما تريد. قبل يوم من الخطاب الهجين اخبرتني برسالة الكترونية أن “الناس ناطرين خطاب الرئيس.. وان الرئيس لن يقول الا ما نريده”. بعد يوم من الخطاب قلت لي :” يا ريت ما حكى. خذلني الرئيس، ولم يقل اننا سنتحول إلى مقاومة بدل الممانعة. ولم يقل أنه سيعطينا الحرية لنكون أكثر مقاومة. ولم يقل أنه سيقفل السجون حتى نكون معه لمرة واحدة على الاقل. قال الرئيس لنا إنه اسير الحرس القديم وسر والده. وانه لم يقو على مواجهتهم. لقد خيب امل حوران وحمص واللاذقية وحلب والشام.. وانتم في لبنان“.
اخبرني رفيقي “الحوراني” أن خطاب الرئيس كان واضحاً. قال لنا بصراحة “من ليس معي فهو مع العدو ومتآمر وخائن. ومن يتظاهر ليس الا مندسا. ومن يريد القليل من الحرية ليس الا عميلا صهيونيا. ومن يريد جريدة صادقة فهو ليس الا امياً. ومن يريد حياة افضل ليس الا متطلبا ويتآمر على الوطن. قال الرئيس لي: اذا اعترضت على سياستي في الداخل فانت خائن“.
قال رفيقي “الحوراني” :”انا خائف الان. لا اريد أن ارى طفلتي تكبر وحريتها تصغر. ولا اريد أن تبقى سجينة خطاب قَمع والدها منذ 4 عقود. لا اريد لطفلتي أن تكبر والجولان محتلا. كيف سنحرر ارضنا؟ بالممانعة وانتم في لبنان حررتم ارضكم بالمقاومة المسلحة؟ قل لي كيف بلادي تدعم حركات المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق وترفض دعم مقاومة شعبية هنا”؟.
رفيقي “الحوراني” ليس سوى مواطنا يحب وطنه. قال: “ليصمت بعض الازلام عندكم! من قال لهم أن الخطاب حركة تصحيحية ثانية؟ ومن قال لهم إننا شعب متآمر على وطننا؟ قل لهم أن يصمتوا. فهم منذ اندلاع انتفاضة حوران لاذوا بالصمت. كانوا جبناء ولم ينطقوا بحرف الا بعد الخطاب. قل لبعض “الازلام” عندكم أن يصمتوا قليلا. لقد تعبنا من تصريحاتهم وتزلفهم. من قال لهم ان خطاب الرئيس يرضينا”؟
قال رفيقي “الحوراني” كل وجعه. وقال ايضا :”لم يعد يخيفني السجن والاعتقال. لقد عشت نصف عمري في الاعتقال.. بس بدي شوية حرية“.

****

رفيقي الحوراني ـ 2
7
أبريل 2011
نعم. اعرف تفاصيل ايام تعذيبك في الزنزانة. لا تتعب نفسك في اخباري قصص حفلات التعذيب. لقد اخبرتني في لقاءات سابقة عن “ابداعات” الشرطة السرية في نظام “الممانعة” في خوض معارك التعذيب على جبهة جسدك النحيف.. عليك أن ترتاح قليلا بعد رحلة “سفرك” القسري كما تسميه حين كنا نسألك، نحن الرفاق، عن سر اختفائك المفاجيء دون سابق انذار. نحن لا نعرف عنك انك من رجال الاعمال والمال، أو من “طبقة” الضباط الذين يمعنون “تعذيبا” في جسد الوطن المسلوب في ارقام حساباتهم المصرفية، والمقتول يوميا على “بياض” صكوك التنازلات والخنوغ..
رفيقي..
لقد تعودنا على غيابك بين الحين والاخر. فجسدك الذي يشبه سنبلة قمح في سهل حوران، ادمن جرعات التعذيب والقهر، ولكن ادمانك على “الصراخ” بصوت يعم البلاد ارعب الجلاد وافقده السيطرة على “ممانعته“!.
لم نكن نعلم يا رفيقي انك من جيش “المندسين”. لقد كذبت علينا. لم نكن نعلم أن العاشق للارض والحرية والكرامة والمقاومة ليس الا “مندسا” يتلقى التعليمات من اعداء الوطن. كنتم مجموعة من “المندسين” في الزنزانة. قل لنا لماذا كذبت علينا يا “مندس” ويا عدو الوطن؟
رفيقي..
في ايام غيابك تحت سياط الجلادين اكتشفنا انكم (كمندسين) تريدون زرع الفتنة وتدمير الوطن، لان “الممانعة” تمعن في الممانعة ومواجهة المؤامرات الخارجية، وانتم مجرد عملاء تريدون “حرية”. حرية؟ كم انت تافه وسخيف يا رفيقي. تريد حرية والمؤامراة على الوطن كبيرة؟! كم انت “قليل” العقل لانك تريد حرية. لماذا لا تفهم يا رفيقي؟ ولماذا “عقلك” لا يستوعب حجم المؤامرة الدولية على الوطن منذ نصف قرن؟ ولماذا لم تفهم بعد أن صمتك وقمعك وجوعك واهانة كرامتك يوميا، هم من عناصر قوة “الممانعة” والتصدي للمؤامرة؟ الا تريد يا رفيقي أن تحارب الاعداء.. وأن تحرر الارض؟
رفيقي..
انت لست الا متآمرا على الوطن! ايعقل ان تطالب بالحرية والوطن يستعد منذ نصف قرن للتوريث؟ ايعقل ان تطالب بالخبز والكتاب والحزب القائد يأكل ويقرأ ويكتب؟ كم انت تافه وسخيف يا رفيقي.. تريد لابنتك حرية وهي لم تعرف بعد شوارع الشام وحلب وحمص وطرطوس، ولم تسمع ببغداد وبيروت والجولان والقدس؟ وتريد لحفيدتك حرية وهي لم تولد بعد.. وتريد لها حرية وانت لم تلد صبيا يرث وطنا؟
رفيقي..
نعم. انت تريد حرية وهم يريدون قتلك باسم الوطن.
نعم .. اذكر ما قلته لي قبل سفرك الاخير إلى زنزانتك وعودتك منها متعباً :”حين اكون حرا وخبزي معي.. اصبح مقاوما لا ممانعا. وحين اكون مقاوما اصبح وطنا لابنتي. حريتي اغلى من حياتي.. انهم لا يفهمون صرختي. ولا يعرفون سر اوجاعي. حريتي هي خبزي وكتابي وقلمي ودفتري.. وسجادة صلاتي. حريتي هي ارضي وكرامتي. انهم لا يفهمون يا رفيقي ان جرحي يضيء قمحا وحبات الدم شمسا بلا غروب “.

****

رفيقي الحوراني ـ 3
26
ابريل 2011
اين انت الان؟
اعلم انك لن تقرأ هذه الرسالة. انتظرت اتصالك لتخبرني عن احوال بلاد حوران بعد أن اعدتنا إلى بيروت ورجعت إلى وطنك. انتظرت اتصالك لتحكي لنا احوال الحرية التي يبحث عنها ابناء الارض السمراء. اعلم انك كنت في الشام تبحث عن رفاق “اختفوا” فجأة من منازلهم. قلت لي أن الدبابات تستعد للهجوم. وقلت ضاحكا أن “طابور” الدبابات يتجه على ما يبدو نحو جبهة الجولان. كنت تعلم أن درعا هي جبهة القتال ولم تنطق بالسر. لم تخبرني أن الحرية في وطنك الجميل هي العدو الغاشم والغاصب، وأن التوزان الاسترتيجي معها قد اكتمل! لم تخبرني بهذه المعلومة ايها الرفيق الباحث عن خبز حريتك، ولم تقل لي ان الجند قد يُقتلون اذا لم ينفذوا اوامر السلطان.
رفيقي..
علمنا هنا في بيروت أن جميعكم مندسين. مرتزقة السلطان هنا يعجنون خبزهم من دماء اطفالكم. مرتزقة صغار لا تكترث لهم ولا لكلامهم الاصفر. هؤلاء يقولون أن حريتك خيانة ومؤامرة. لا تصدقهم. انهم حثالة نظام فاسد .. افسد بلادك وبلادي. هؤلاء يا رفيقي يوم كان رجال المقاومة الوطنية اللبنانية يواجهون الاحتلال الاسرئيلي بصدورهم العارية في بيروت والجنوب والجبل والبقاع، كانوا يسرقون احلام الثائرين ليصنعوا منها طوائفهم وخياناتهم ويسرقون البلاد ويكدسون الاموال. هؤلاء يسرقون الآن حريتك مع ارتال الدبابات التي تجتاح مدينتك وسهلك وكروم زيتونك. هؤلاء ليسوا سوى مرتزقة صغار يسجون كي تغتصب الدبابة زوجاتهم..
رفيقي..
بلاد حوران تختصر كل البلاد. حريتك هي دبابة مستقبلنا. حريتك هي حريتنا.
من دمائكم تنبّهت الأوطان إلى نزهة قريبة المنال. أعرف كم هو منهك صليل الإنتظار على مزامير الحرية.. لكننا ننتظركم

.

Facebook Comments

POST A COMMENT.